اتَّسم الخطابُ الليبرالي بالانْحِياز التام وغير المبرر إلى كلِّ ما هو دخيلٌ على المجتمع السعودي، فأضْحَتِ السجلات والاحتجاجات التي تنبثُّ في نتاجاتهم الفكريَّة: أنَّ المجتمع السعودي غير لائق في صُورته الاجتماعيَّة والثقافية الحاضرة، ولابدَّ منَ التغيير، ولا يكون ذلك إلاَّ بِطَمْسِ التُّراث الاجتماعي، وتهميش ضوابط الشَّرْع التي جاءتِ الأعرافُ السعودية مُتَوافِقة معها. إنَّ هذه الرُّؤْية التي تشكَّلَتْ لدى دُعاة التَّيَّار اللِّيبرالي، هي نفس رؤية المُجتَمَعات الغربيَّة لنا؛ لذا فدعاة التغريب الليبراليون استعاروا مرآة الآخر؛ لينظروا فيها، فأصبحوا غير قادرين على رؤية الهُويَّة الصحيحة للمجتمع السعودي، بعد أن حبس وعْيهم في هذا المنظار، فهم يرون ما يراه الآخر عن مُجتمعهم الذي خرجوا منه. لم يكنْ لدُعاة التَّيَّار اللِّيبرالي هَمٌّ غير نَقْل النَّظَريَّات والمفاهيم الغربيَّة، وتكرارها بلَهْجَة وشَكْل سعُودي، وإن الذي يدعو للدَّهشة هو دعوة هؤلاءِ الحمقى لنفْي الذات، وإقصاء الهُويَّة والذَّوَبان في الآخر المقَدَّس عندهم، وما ذاك إلا لضَعْف عُقُولهم وشَخْصيَّاتهم. في ضوء ما سبق يَتَّضِح لكَ أنَّ وَعْي هؤلاءِ وعْيٌ كسِيح، تكتَّل مِن شخصيات رَكِيكة، تشْتَكِي مِن عِلل نفسيَّة، أفرزتْ أسقام فكريَّة، وهذا تعرفه مِن خلال استقرائك لِمفاهيمهم وأُطْرُوحاتهم. يعتقدون أنَّ الفكر الذي يحملونه هو أساس مُنطلق التغيير، وأن النهْضَة الوطنية لا تكون إلاَّ مِن خلال التبعيَّة العمياء للمجتمعات الغربية، بهذه الكيفيَّة تنحرف الرُّؤَى، وينتج وعيٌ زائفٌ، ويتلاشَى الشُّعُور بالأصالة، ويتنامى الإحساسُ بالدُّونيَّة، فتندثر الهُويَّة في صورة الآخر. وهذا هو مُخَطط التغريب للمجتمَع السعودي، الذي يسعى له التَّيَّار الليبرالي. جُملة المفاهيم والأفكار والثقافات التي توجه حركة المجتمع، لا تَتَناسَب مع ما جاء به التَّيَّارُ اللِّيبرالي؛ حيث إنَّ الوَعْي الاجتماعيَ الذي يعيشُه المجتمعُ في اللحظة الراهنة لا يخرج عنِ الأُطُر والمفاهيم الإسلامية، وهذا أكبر عائقٍ يواجه الأفراخ الليبراليين؛ لذا كان تزييفُ الوَعْي هو المخططَ الجديد لذلك التيار، وهو تزييف المفاهيم لدى المجتمع التي يبنِي عليها رؤيته للمستقبل، من خلال بَثِّ مفاهيم ضرورة تمييع النُّصُوص الدِّينيَّة؛ حيث إنَّها لا تتوافَق مع الواقع المعاصِر، والتخلِّي عن الأعراف والقِيَم التي تربَّى عليها المجتمعُ، وكلُّ ذلك تحت شعار النهضة والتقدُّم، وضرورة التغيير، ومُواكَبة العالَم الخارجي، والبُعد عن الانغلاق. هم يستطيعون أن يخدعوا بعض أفراد المجتمع في بعض الأوقات؛ لكن لا يستطيعون أن يخدعوا المجتمع كله في كلِّ الأوقات؛ لأنَّ التنكُّر الاجتماعي لهم ظاهر، وهم الآن يعيشون في غُربة، وإن كانوا يعيشون وسط هذا المجتمع، حيث إنَّ مطالباتهم غير المقبولة باتت مكشوفة أمام المجتمع السعودي؛ سيما أنهم وضعوا في قفص الاتهام، وهذا هو الذي سيجهض حركتهم التي تَتَمَخَّض مِن رحم الأحلام بأنهم سيكونون شيئًا. إنَّني أقولها بكلِّ صراحة: هذه الأقلية حركتها ضعيفة، ومحاولاتهم فاشلة، ولن يستطيعوا أن يحقِّقوا المأمول لديهم، سوى أنهم يكثرون الطرح عبر وسائل الإعلام؛ بغية تفكيك التماسُك الاجتماعي، وترقيق المفاهيم المسيطرة على المجتمع. وهم يسعون جاهدين لكل ذي منصب اجتماعي؛ لينبطحوا على عتبة بابه؛ حتى يكون من مؤيديهم أو داعمًا لهم؛ لأنهم ليسوا ذوي مكانة اقتصادية أو اجتماعية، بل هم أشخاص نكرات، استعجلوا الظهور على السطح، ولو كان ذلك على حساب دينهم وقيمهم، التي كانت معهم في السابق.
الجمعة, 22 ربيع الثاني, 1430
المصدر: شبكة القلم عبد الله العنزي
المختصر
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية










