الحركة الأوربية الأدبية المتحررة من قيود الكنيسة هي عبارة عن غطاء ولبوس بزي أدبي تحارب من خلالها الأيدلوجيا الكنسية القمعية ، تلك الأيدلوجيا اعتنقها سلاطين وملوك أوربا فقادوا الناس بالحديد والنار، ولذلك فوثيقةالتحرر الأولى الأوربية من عصر الظلمات لم تكن سوى نصا ً أدبيا ً كتبه الإيطالي ( دانتي ) ومعه الأدباء تشوسر ودافنشي وبتراك وأنجلو ، ثم تلى ذلك القنبلة الكنسية ( مارتن لوثر ) ذلك الكنسي الثائر على خرافات البابوية والتي تعتبر وثيقته التي كتب بنودها وعلقها على كنيسة ويتنبرج من أعظم الوثائق ، والقضية ليست بالوثيقه لكن القضية هي ترجمة لوثر للإنجيل من اللغة اللاتينية إلى لغة دارجة ألمانية ، تحرر لوثر بها من كل القواعد اللغوية اللاتينية في كتابة الانجيل وتوجه بلبوس حداثي إلى الإنجيل ليكتبه بلغة ألمانية ، ويسميه المفكر الكبير الشيخ سفر الحوالي بالبيان الحداثي الأول ، والحقيقة كل الحقيقة أن لوثر يختلف مع كنيسته خلافا ً يتجاوز دهاليز اللغة ، خلافاً يصل إلى مسلمات كنسية ، ولكنه استخدم اللغة طريقا ً لتحقيق هدفه الثوري ضد الكنيسة وخرفاتها . وكذا محدثي العرب يشتمون اللغة حيث يقول البياتي : ( اللغة الصلعاء كانت تصنع البيان والبديع فوق رأسها باروكة وترتدي الجناس والطباق في أروقة الملوك وشعراء الكدية والخصيان في عواصم الشرق على البطون في الأقفاص يزحفون لينمو القمل والطحلب في أشعارهم ) . بل يقولون إنهم استخدموا اللغة للانعتاق من الأدلجة كما يرددون حول محمود درويش الذي يفتخر بأنه أزال الأدلجة من الشعر ولا تسألني لماذا وكيف ؟ خصوصا ً أن أغلب قصائده مليئة بالتغزل والحب العميق للصليب فأي انعتاق للأدلجة من شعره بل قل انعتاق من المعاني والقيم التي أتى بها الإسلام: ( كل قاض كان جزاراً تدرج في النبوءة والخطيئة واختلفنا حين صار الكل في جزء ومدينة البترول تحجز مقعداً في جنة الرحمن فدعوا دمي حبر التـفاهم بين أشياء الطبيعة والإله ودعوا دمي لغة التخاطب بين أسوار المدينة والغزاة دمي بريد الأنبياء ) ولا ننسى رواياتنا الأدبية الزاخرة بسب الذات الإلهية والتنقص منها والتنقص من التعاليم والقيم الإسلامية . من هنا يجب علينا أن نفهم جيدا ً أن الإرهاصات الليبرالية القديمة نحو التغيير ، نحو الانعتاق من الظلامية الأوربية بدأت من خلال باب اللغة ، ( وقل إن شئت باسم الأدب ) ، حيث أن الأدب بابه مفتوح ويستطيع الأديب من خلاله أن يروغ ويناور فلا أظن دانتي الإيطالي حينما كتب ( الكوميديا الإلهية ) عام 1321 يستطيع أن يفر من مقصلة الكنيسية بسهولة ، لكنه يستطيع أن يبرر حروفه الأدبيه حينما يقول أن تشبيهاته الأدبيه لها عدة تأويلات وأن الأدب بابه مفتوح وأنها لا تعني الشيء المذكور بعينه والذي يعتقده جموع الناس . والكوميديا الإلهية نص أدبي تجاوز به الأديب دانتي الحدود المسموح بها من قبل الكنيسة في نقد الدين المسيحي . إنها بلغة أخرى كقول أحد الحداثيين السعوديين الذي يفاخر بليبراليته الآن : (من شرط الإبداع أن يكون فوق السائد والمألوف، وهو يرتـقي بمقدار تجاوزه لظروفه، مثلما أنه يتـناقض بمقدار تماثله مع تلك الظروف ) . إشارة ونقلة سريعة ومهمة قبل أن نلج قليلا ً في سنوات الحداثة الأدبية في الساحة السعودية بشكل خاص ، هذه الإشارة هي من مقدمة ( الحداثة في ميزان الإسلام ) للشيخ الفقيه عوض القرني حيث يقول : ( أننا تعودنا من الحداثيين أن يرفعوا عقيرتهم بالصياحعندما نريد أن نحاكمهم إلى دين الله ويقولون ما علاقة هذا بالأدب والفكر، بل يقولون إن التستر وراء الدين والالتجاء له في الخصومة الفكرية علامة الضعف والهزيمة، بل وصل الأمر بهم أن يدافع أحدهم عن أحد الشيوعيين الذين نالوا من الله بألفاظ فجة قبيحة واعتبر أن الدفاع عن الدين علامة على فقد التقوى ). إنه ربط واضح وصريح فالأدب واجهة لثوريي أوربا وحداثيي عصرنا ،ومن خلال الأدب الذي ينادى دائما ً أن لاشيء يحكمه لأنه يقبل التأويل فتمرر الأفكار بنصوص أدبية والعذر تأويلها ، لكن العدل وكل العدل أن الأدباء الأوربيين ( لوثر ودانتي وتشوسر وأنجلو) لا يمكن أن نلومهم على ولوجهم من خلال الأدب لنقد الكنيسة وأفكار الكنيسة ، فلا يمكن أن نلوم لوثر على خلافه مع الكنيسة حينما غطى باقعة الترجمة الألمانية بخطاب مطالب على باب الكنيسة ، ولا نلوم كوميديا الآلهة التي دشنها دانتي لأن الإثنين كانوا يحاربون من يحارب العلم والقيم والكتب والتقدم والحضارة ، كل معنى للتطور الإنساني كانت الكنيسة له بالمرصاد ، لقد كانت الكنيسة سفاكة لدماء المبدعين بينما العصور الإسلامية الزاهرة والتي ينتقصها حداثيو زماننا كانت المثل الأعلى لكل متحرر وثوري أوربي في عصور الظلام . وباختصار نستطيع أن نقول أن الحداثة الأدبية الغربية لم تكن سوى مرحلة من مراحل تطور الفكر الغربي حتى وصل إلى ما وصل إليه اليوم ، فالأدب الحداثي ثم الفكر التنويري ثم الثورة على الكنيسة ثم بلورة المنهج الأوربي فحقوق الإنسان فالنظام العالمي الجديد ، إذا فمرحلة الحداثة الأدبية الغربية انتهت مع أول سهم أطلق على الكنيسة باسم التنوير وليس هناك تفسير للبدء بما بدأ به الآخرون إلا شيء واحد ألا وهو الأيدلوجيا (الدين) . فما يرغبه المفكر الحداثي في عصر التنوير وعصرنا هي رغبة واحدة( مستخدمي لغة الأدب في نقد السائد الديني والإجتماعي )، و يجب أن نطلق عليهم ( مفكرين) حداثيين ، لا أن نطلق عليهم أدباء فقط . الجدير بالذكر أن الإسلام في أصله يرفض فكرة رجال الدين أو المتحدثين باسم الله وأن لهم الأمر من قبل ومن بعد يقول سيد قطب في رائعته ( معالم في الطريق ) : (ومملكة الله في الأرض لا تقوم بأن يتولى الحاكمية في الأرض رجال بأعيانهم - هم رجال الدين - كما كان الأمر في سلطان الكنيسة ، ولا رجال ينطقون باسم الآلهة ، كما كان الحال فيما يعرف باسم " الثيوقراطية " أو الحكم الإلهي المقدس !! - ولكنها تقوم بأن تكون شريعة الله هي الحاكمة ، وأن يكون مرد الأمر إلى الله وفق ما قرره من شريعة مبينة ) . ومع حجم المسافة الشاسعة بين حكم رجال الدين في الكنيسة وبين حكم شريعة الله في الإسلام فإن الحداثيين لم يأبهوا لهذا الفرق الكبير وظنوا أن مرحلة التطور من الحداثة الأدبية إلى الليبرالية العربية علامة نجاح ومرحلة عبور في مراحل التطور الفكري كما حدث عند الغرب تماما ً إلا أن الواقع يقول غير هذا خصوصا ً مع اختلال أصل من أصول الليبرالية الغربية في محاربة الشمول ألا وهو التحالف المتين بين الليبرالية العربية وبين شمول البلاط العربي . وبهذا نستطيع أن نقرأ أن ولادة الليبرالية الغربية وتبعتها العربية لم تكن سوى من رحم الحداثة الأدبية إلا أن اختلال الليبرالية العربية وانفصالها عن قطار الفكر الغربي كان واضحا ً مع تحالف النخب الليبرالية والعلمانية العربية مع الحكام أصحاب الأنظمة الشمولية في محاربة أي تيار يقترب منها وينافسها باسم وتحت راية محاربة العنف والتطرف مع افتراض أن يكون هؤلاء أول مشجع على التعددية السياسية والفكرية بل أول مشجع وأصحاب السبق في محاربة الشمول والفساد . لكنه يحق لنا أن نسأل مالذي دعا الأدباء الثوريين الأوربيين (مارتن لوثر ودانتي وبتراك وغيرهم ) إلى انتهاج هذه الطرق الملتويه ، لا أحد يلوم الثائرين الغربيين على دينهم ، لا أحد يلوم العلمانيين الغربيين بداية باسم الحداثة الأدبية ثم باسم الحقوق والليبرالية لأن دينهم ونصوص توراتهم وإنجيلهم مليئة بالأساطير والمضحكات ، هؤلاء الغرب العلمانيون العلماء ( كموريس بوكاي وراو وكيث ال مور ) ملو من أساطير كتبهم المقدسه لكنهم حينما قرأو القرآن وهم القوم المحايدون بطبيعة الحال كونهم ليسو مسلمين ولم تتم تربيتهم في محاضن تقدس القرآن لهم ، أقول حينما قرأوا القرآن ودرسوه وجدوا أنه يختلف اختلافاً كاملاً عن أساطير بولس بل اعترفوا بعد ذلك أن القرآن كلام الله وهو معجزة علمية تدعو للتفكر والتعلم ، تدعو للتحضر . يقول الكاتب السعودي محمد المحمود : (أدركرواد التنوير العربي أن المسلمين لم يخرجوا - بعد - من قرون العشرة الوسطى التي تمتد لما يناهز العشرة قرون، وأن عصور الظلام الإسلامية لم تكن أحسن حالا - بمعيار الوعي الكلي - من عصور أوروبا المظلمة ذات النفس الكنسي.الحالة العربية خصوصا، والإسلامية عموما، حالة ظلامية؛ فيما هي عليه الآن. أي أنها تستدعي التنوير بظلاميتها الراهنة. وكلما تكشف الواقععن روح ظلامية رجعية؛ كلما كان إحساس الفاعل التنويري بأهمية دوره التاريخي إحساسا عميقا؛ يدعوه إلى (الجهاد) في سبيل التنوير، حتى النفس الأخير ) . هذا أنموذج ينبئك أن ثم من يعتقد أن الإسلام كدين ومنهج ونظام لم يستطع أن يخرجك من ربقة الإنغلاق والظلام ، وأنك بحاجة إلى عصر تنوير أوربي ، تعالوا لنشاهد الدين في أوربا في عصر الظلام ثم نقارنه بديننا في عصر النهضة الأوربية ، حينما كان الدين في الغرب عقبة في طريق العلم . نقول إن التنوير والعلمانية كانت ضرورة في أوربا الظلام لأن التوراة والإنجيل يقولان : ( ومن شتم أباه أو أمه يقتل قتلا ً ) التوراة ، و ( ومن سرق إنسانا ً وباعه أو وجد في يده يقتل قتلا ً ) التوراة ، و( لا تظنوا أني جئت ألقي سلاما ً على الأرض ما جئت لألقي سلاما ً بل سيفا ً فإنس جئت لأفرق الإنسان ضد أبيه والابنة ضد أمها ، والكنة ضد حماتها ........ ) انجيل متى 34 : 1 ويقول يوسف أبا الخيل : (لماذا لا تكون تلك الرؤية أو ذلك التأويل أو التفسير أو التخريج لذلك الفرد أو الجماعة أو الفرقة تحمل على الأقل شيئًا من الصحة في باطنها؟ ولماذا مثلا ً لا تكون الرؤية التي أحملها أو تلك التي حملتها ليست قاطعة ويشوبها الشك وعدم اليقين؟ في مثل ذلك الجو الثقافي المشبع والمربى على نسبية الحقيقة - النظرية على الأقل - لا يملك الإنسان إلا أن يكون متسامحًا مع غيره لأنه لا ( يحمل اليقين على قطعية ما تناهى إليه نظره وما برمجته عليه ثقافته طوال عمره" ) وهذه النظرة المستحدثة في الشك بكل مقدس هي ذاتها نظرة التنويريين الأوربيين لأنهم ذاقوا المرارة من كتابهم المقدس الذي يحمل لهم الأساطير ويمنعهم من العلم والتفكر ، ولذلك يؤسفني أن أقول إن أبا الخيل لم يأتي بشيء جديد إذ أن علماء الغرب التنويريون أطلقوا في عصر ظلام أوربا ذات العبارة فقالوا : ( لا أحد يدعي امتلاك الحقيقة ) . بل يطالب عبدالله بن بجاد العتيبي أن يدخل الشك فيآلية عمل العقل العربي فيقول : (إذًا فلا بد كمنطلق لعملية التنوير والإصلاح أن يدخل الشك في آلية العقل العربي الإسلامي الحالي أن يشك في قضية جوهرية "هل هو قادر على العمل الآن؟ هل آلياته ومناهجه ومنظومته المعرفية صالحة للتعامل مع الزمن الراهن ) ويبدو أن العتيبي يرغب في استبدال المناهج والمنظومات المعرفية عبر بث الشك بها تماما ً كما فعل التنويريون الأوربيون متجاهلا ً أن علماء الغرب العلمانيين أثبتوا أن النصوص والتفسيرات المقدسة التي نتكئ عليها صحيحة من ناحية علمية كما يثبت ذلك العلماني الغربي موريس بوكاي وكيث ال مور وغيرهم( كالجنين وأطواره النطفة والعلقة والمضغة وكالأمواج بعضها فوق بعض وغيرها كثير ).ولعل أيمطلع يعرف أن الكثير من الليبراليين الجدد وأساطين الحداثة الأدبية في العالم العربي مجترون لأساليب وأفكار التنوير الغربي في القرون الوسطى رغم اختلاف المسببات والظروف والأحداث ، فالكنيسة الغربية سابقا ً كانت بالفعل تمارس الظلم والقهر وإجبار الناس على الإيمان بالأساطير بينما تلاشى بشكل واضح ذلك في الدين الإسلامي الذي نفض الكهنوتية من عباءته . نفس الأدوات التي استعملها رموز التنوير الأوربي يحاول بعض الكتاب العرب استخدامها مثل : * بذر الشكوك في صحة المنقول المقدس الإسلامي : ويقولون إن التجربة الإسلامية بائت بالفشل لذلك علينا مراجعة المنقول إلينا وعدم التسليم طوعا ً بصحته ، وهم بذلك مستوردون لفكرة التنويريين الأوربيين بعد أن فشلوا في الربط الزمني بين التوراة الموجودة في تابوت موسى وبين كتابها ، وبين كتاب الإنجيل وما نزل على عيسى ، بيد أن التراث الإسلامي يعتبر من أكبر مخازن التراث الديني في العالم من حيث كثرة الذي صنف فيه ومن حيث التدقيق الذي مورس عليه . بل تجاوز التشكيك في صحة المنقول إلى القرآن الكريم والتشكيك في طريقة جمعه . ولا ننسى المصيبة الجديدة ألا وهي إعادة التأويل كون المفسر لدينا لا يناسب متطلبات العصر التنويرية . * التلويح بداء الكهنوتية : وتصوير أخطاء كهنوتية تحدث في العالم الإسلامي منذ عشرة قرون كجرائم الكهنوتية التي حدثت في العصر الأوربي جريمة فكرية حقيقة يعلمها من قرأ جرائم محاكم التفتيش الأوربية ، ثم ولا شك أن الحداثيين العرب هم يد السياسي العربي الذي يدوس رقاب الشعوب فلا هو شارك بثورة فولترية ولا هو دعى إلى ذلك بل اكتفى بمحاولة كسب حظوة لدى صاحب النفوذ ليمرر مشاريعه التي لا تخرج عن إطار اللهو واللعب المحرم في شريعة الإسلام المراد تغيير تفسير نصوصها لتتناسب مع المتحالفين مع الكهنوتية السياسية الجدد . إن هؤلاء هم الكهنوت بعينه لكنهم كهنوت في السياسة . * الصراخ باسم الحقوق المدنية: وسيلة أوربية قديمة لتعبئة المشاعر ضد النص المقدس باسم الحقوق الإنسانية ، ولا أحد يلوم الأوربيين القدماء الذين عاشوا عصر الظلام من استجلاب نظام بشري يقوم مقام النظام الكنسي كون النظام الكنسي كارثة على العلم والعلماء ، والقارئ في التاريخ الإسلامي يجد الكم البشري من الطلاب الأوربيين الذين كانوا ينزلون في جامعات الاندلس وبغداد ، والآن من يحارب العلماء ويأكل أموال الشعوب التي من المفترض أن تذهب لدعم العلم والتطور ؟ أما من يحاربهم فإما السياسي الحاكم العربي بجبروته وإما مخلفات التنويريين الأوربيين وطائرة العلماء المصرية التي تناثرت جثثها على شاطئ الحرية الامريكية تخبرك بذلك . وهكذا دلف التنوير العربي بشكل عام والسعودي بشكل خاص بحداثته الأدبية إلى جحر الضب الأوربي التنويري القديم دون أن يعي المتغيرات في الأسباب والدوافع ، مدفوعا ً بالتغيير والتخلص من القيم التي أجهضت ما كان يصبو إليه من ( متطلبات العصر ) ولازالت المعركة الفكرية تستعر ننتقل فيها من مرحلة إلى أخرى والعاقبة لمن اتقى.
الجمعة, 01 ربيع الثاني, 1430
المصدر: شبكة القلم الفكرية
المختصر : تركي العبدالحي
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية










