مدونة عبدالله الشهري
مدونة عامة ثقافية

:: ماذا يجري في السودان؟

توقفت المعارك في منطقة ابيي إلى حين، في انتظار الشوط الثاني، وخرجت أطراف الصراع تحصي الخسائر، تحسبا لمعارك جديدة "حتمية" عند البعض، و"عدمية" عند البعض الآخر.

الحركة الشعبية لتحرير السودان، الشريك الرئيسي في الحكم، خرج عن صمته بعد انتهاء المعارك، وفي أول تعليق له على أحداث ابيي أمام حشد جماهيري في مدينة جوبا، بجوار ضريح زعيم الحركة جون قرنق، ليعلن مدويا أن الجيش السوداني قتل المواطنين في المنطقة على خلاف الرواية الصادرة عن السلطات الرسمية والمراقبين وشهود العيان، الذين أكدوا اعتداء قوات الحركة الشعبية على المواطنين والجيش الحكومي في عمل مدروس ومخطط له.

وأشارت بعض التقارير غير الرسمية، وتناولتها بعض المصادر الصحفية، أن تدهور الأوضاع في ابيي كان بتخطيط خارجي نفذه شخص مشبوه أمريكي كان يصول ويجول في المنطقة قبل الانفجار وبعده، وهو المدير السابق لبرنامج المعونة الأمريكي روجر ونتر (Roger Winter)، الذي شارك في المؤتمر الصحفي الذي عقدته الحركة الشعبية بعد أحداث ابيي مباشرة.

وبينما أشارت مصادر "مطلعة"، أن الأمريكي يعمل مستشارا في الظل لحكومة الجنوب، بينما نفت الحركة الشعبية نفيا قاطعا هذه الاتهامات، وقالت إن هذا الأخير مجرد صديق للحركة الشعبية وأنه يعمل مستشارا متطوعا لديها، وأن الحركة تستعين به لتحسين علاقات الخرطوم مع واشنطن!!

يعتبر السودان الآن مسرحا للعديد من الصراعات الداخلية والإقليمية. ومصدرها واحد بحسب بعض المحللين الأجانب: الاستيلاء على مقاليد الدولة من قبل دائرة مصغرة في السلطة وتهميش باقي المناطق والفئات والمجموعات السكانية والطائفية والإثنية عن "قصد". قد يكون هذا التحليل سطحيا إلى حد بعيد، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار التعقيدات التي تحيط بالسودان جغرافيا سياسيا واستراتيجيا واقتصاديا.. ثروات هائلة، مخزون طاقوي ضخم، ثروات باطنية لا تقدر، أراضي زراعية واسعة، أعداد كبيرة جدا من المواشي (إبل، جواميس، أبقار وأغنام).

* المدخل إلى الأزمات السودانية:

دارفور يعني بلد الأفران، وهي مجموعة أثنية من المزارعين السود الذين يعيشون في جبل مرة. وهي كبيرة خمسة أضعاف مساحة فرنسا، ومنقسمة إلى ثلاث ولايات: شمال دارفور وجنوبه وغربه. وإذا كان الشمال والصحراء الشرقية والوسطى والجنوبية تشمل المناطق الأكثر هطولا للأمطار، لكن هناك أيضا مساحات شاسعة من الأراضي الجافة.

المقاطعة يسكنها قبائل عديدة من "العرب" و"الأفارقة السود"، غير أن التمييز بين هاتين المجموعتين، هو أكثر صعوبة مما يبدو: "الأجنبي سيكون من الصعب عليه التمييز بين الدارفوري العربي والإفريقي، وهذا يبين إلى حد ما أن الإشكالية القائمة في دارفور هي إشكالية ثقافية أكثر منها عرقية (هذا ما استخلصته مجموعة الأزمات الدولية وأقرته).

* حرب أهلية طويلة لا نهاية لها!

منذ عام 1983م، والحرب الأهلية تمزق البلاد. وإذا أردنا أن نوجز الصراع في هذه الجمل الصغيرة، فيمكن القول:

ـ اشتباكات دائمة بين الشمال (حيث يقطنها عدد من السكان العرب المسلمين من السنة) والجنوب (حيث يقطنها سكان سود من الإحيائيين والمسيحيين).

ـ وكما قال Alex de Waal ، الباحث والكاتب البريطاني المتخصص في القضايا الإفريقية: "إن أسباب الحرب ترجع إلى السلطة، والموارد، والإيديولوجيات والهويات". وتقاسم السلطة السياسية والموارد الاقتصادية (خاصة النفط) هي التحديات الرئيسة في هذه الحرب منذ عقدين من الزمن، وبطبيعة الحال، تم استقطاب كل المواقف وكل الهويات.

وفي الفترة بين 2003-2004، تعمقت المحادثات السلام بين الحكومة المركزية في الخرطوم والجيش الشعبي لتحرير السودان (SPLA) ، بقيادة جون قرنق، بشكل ملحوظ. ويبدو أن اتفاقا ما كان على وشك التوقيع بين الطرفين في منتصف مايو 2004، إلا أن ذلك لم يحصل في حينه، إلى أن انفجرت الأوضاع مرة أخرى في منطقة ابيي وسط السودان في منتصف مايو 2008م.

إنهم جميعا من المسلمين، الأوائل ومعظمهم من المزارعين والبدو الرحل، والآخرون من المزارعين المستقرين. وكما في كل مكان في منطقة الساحل، من السنغال إلى السودان، تندلع اشتباكات بشكل منتظم بين الرعاة، بسبب البحث عن المياه النادرة والمراعى الخصبة لقطعانهم من جهة، وبين المزارعين الساعين إلى حماية حقولهم ومزروعاتهم من جهة أخرى.

هذه الصراعات في بعض الأحيان تتحول إلى مواجهات مسلحة عنيفة وطويلة، سيما في العقود الأخيرة، بسبب الانفجار السكاني (الذي تضاعف مرتين أكثر من التعداد الحالي لسكان دارفور في عشرين عاما)، بالإضافة إلى موجات الجفاف الكبرى في السبعينيات والثمانينيات التي أصابت القرن الإفريقي، وأدت بحياة مئات الآلاف من السكان والحيوانات، وتسببت في مأساة تصحر ملايين الأراضي الخصبة. وبالتالي، التنافس على المياه والأراضي ازداد شراسة وعنفا أكثر من أي وقت مضى. ونتيجة لتراكم العوامل الدينية والعرقية والسياسية والمناخية وتفاقمها، اندلعت العديد من الحروب المحلية بين القبائل العربية والإفريقية.

ثم إن سنوات 1991-1992، أذنت للأحداث التي وقعت اليوم، في دارفور وأم درمان وابيي. تدهور الأوضاع المعيشية، والشعور بالتهميش الذي عانى منه الشعب دفعه إلى التمرد. فالجيش الشعبي لتحرير السودان، بقيادة العقيد جون قرنق، قدم دعمه لمطالب الشعب في تمرده على سلطة الدولة.

ولإخماد الثورة، قامت الحكومة السودانية في الشمال، بتسليح القبائل العربية. وإذا كان الصراع من أجل السيطرة على الموارد الإستراتيجية في السودان (الأراضي والمياه) نقطة بداية الأزمات المتتالية على السودان، فهذا مؤشر دائما على حيوية المنطقة وأهميتها.

وعرفانا بجهودها، شكرت الحكومة "الميليشيات العربية" ـ كما جاء في توصيف هيئة الأمم المتحدة ـ على مساهمتها الهامة في كسر شوكة التمرد في المهد، فسمحت لها الحكومة المركزية بتنفيذ قوانينها وسلطتها "الخاصة" على سكان دارفور، وقد أغمضت الحكومة عينيها عن التجاوزات التي ارتكبت في حق العزل من السكان، خاصة النساء والأطفال، في الغارات التي حصلت في فترة التسعينيات ضد "الشعوب والعرقيات الإفريقية".

تزايد الشعور بانعدام الأمن والاستياء، دفع سكان دارفور إلى إنشاء جبهة تحرير دارفور (FLD)، التي جمعت الميليشيات القروية الذاتية. وفي مارس 2003م، واحتفالا بانفتاح الجبهة على قبائل السود الأخرى، أخذت الجبهة على نفسها تغيير الاسم إلى جيش / حركة تحرير السودان (A/MLS)، ودون انتظار تغيير الاسم، أطلق المتمردون، في فبراير 2003، أول الهجمات ضد مراكز الشرطة والثكنات العسكرية.

وكونها مسلحة تسليحا جيدا، ومجهزة بالهواتف المتصلة بالأقمار الصناعية، استطاعت أن تستولي على العديد من المواقع بسهولة. ولا بد من الاعتراف أن جيش / حركة تحرير السودان استفاد كثيرا من الخبرة العسكرية لعبد الله أبكار، وهو أحد المتمردين الذين ساعدوا الرئيس التشادي الحالي، إدريس ديبي، للوصول إلى السلطة في عام 1990.

وعلى الأرجح أيضا، دعم الجيش الشعبي لتحرير السودان هذه الحركة بقوة. وفد أثار توقيت الضربة ـ بعد مرور أسبوع على إطلاق أول المفاوضات الجادة حول مناطق الصراع الثلاث ـ في السودان، العديد من التساؤلات والتكهنات، حول شكوك بعض المتابعين في دعم الجيش الشعبي لتحرير السودان للمتمردين بصورة مباشرة، وهذا من أجل إما تعزيز دوره في طاولة الحوار مع الخرطوم، أو عرقلتها. إلا أن الجيش الشعبي لتحرير السودان نفى رسميا أي تورط له في القتال الذي حصل منذ أيام قليلة...

* وضعية منطقة ابيي... صراع آخر:

منذ يوليو الماضي، كانت النار تختمر ببطء في منطقة ابيي، في حين كان الشمال والجنوب يحاولان تنظيم الإدارة الخاصة بهما، بعد أن رفضت الخرطوم سحب قواتها من الأراضي التي منحتها لجنة الخبراء المكلفين برسم الحدود إلى الجنوبيين.

وبعد أشهر من التهديدات الجدية، انفجر أخيرا القتال في ابيي في وسط السودان بين المتمردين الجنوبيين السابقين، الجيش/ الحركة الشعبية لتحرير السودان (SPLA-M)، والقوات الحكومية. وكان المتمردون أعلنوا قلقهم على ما اعتبروه فشل الخرطوم في تنفيذ مذكرة الحكومة في منطقة ابيي خلال الفترة الانتقالية على النحو المنصوص عليه في اتفاق السلام عام 2005.

وهذا اتفاق السلام الشامل، أنهى 21 سنة من الكفاح المسلح في جنوب السودان، غير أن منطقة ابيي، كحالة منفردة، لم يتم تحديد مصيرها بعد مرور ثلاث سنوات على انتهاء أطول حرب أهلية في إفريقيا، وفي عام 2011، يفترض على الأهالي تقرير مصير المنطقة من خلال الاستفتاء في حالة إذا ما رغبوا في بقائها مرتبطة بالشمال أو الاندماج مع الجنوب، شبه المستقل، عند إعلان الجنوب الاستقلال التام.

وقد كان أكبر خطأ تسربلت به اتفاقية السلام الشامل السودانية الموقعة في منتجع (نيفاشا) الكيني قبل ثلاث سنوات ـ بين حكومة الإنقاذ السودانية والحركة الشعبية ـ هو ترحيل هذه المسألة، وتأخير حلها إلى وقت مجهول ومستقبل مرهون، دون حسمها بشكل نهائي وجازم ودون حتى تصور مبدئي لما يمكن أن تحل به هذه المشكلة/ العقدة المستعصية لاحقا.

وكانت مجموعة الأزمات الدولية في مارس أكدت أن اتفاق السلام الموقع عام 2005 في خطر داهم، ودعت إلى تقديم مساعدات دولية لحل مسألة ابيي سلميا، ووفقا للمجموعة، فإن عائدات النفط في ابيي بلغت ما يقرب من 529 مليون دولار في عام 2007، وهي الإيرادات التي نظام الخرطوم بحاجة ماسة إليها.

ويعتقد بعض المحللين، أن موارد النفط هي عصب هذه الحرب الأهلية بين نظام عمر البشير والمتمردين في جنوب السودان. وهكذا، تشير بعض التقارير الغربية إلى أن أغلب الزعماء من جميع الأطراف المتصارعة تسعى إلى حفظ مكاسبها المالية من خلال عائدات النفط في منطقة ابيي، حتى ولو كان على حساب الحفاظ على السلام وعلى وحدة السودان.

وفي هذا السياق، قد يتعجب المرء كيف أن الحكومة الحالية تسمي نفسها بـ(حكومة الوحدة الوطنية) في حين أن الواقع والميدان يشير بخلاف ذلك تماما.. فلا (وحدة) قائمة بين أجزاء الوطن "المبعثرة" ولا بين أفراد هذه الحكومة ولا "وطنية " ترى على أرض الواقع.. فكيف تسمي نفسها (حكومة وحدة وطنية)، والسودان ـ بفعل أبنائه أنفسهم ـ يتآكل من جميع أطرافه ويقاتل بعضهم بعضا؟

* تقاسم الموارد:

النزاع في ابيي قديم. فالمنطقة متنازع عليها بين قبيلة (Ngok Dinka)، وهي مجموعة عرقية جنوبية موالية للجيش الشعبي لتحرير السودان، وبين القبائل "العربية" الـ(miseriya)، التي ساهمت في دعم ـ بالنسبة لبعض المتابعين ـ صفوف "الميليشيات المرعبة" العربية المنتمية إلى قبيلة الـ(murahileen) المسؤولة عن سياسة الأرض المحروقة في الجنوب، المماثلة دمويا لتلك الحرب التي حدثت من قبل في دارفور منذ عام 2003م.

وبعد أن تم تهجير قبيلة (Ngok Dinka) عنوة إلى الجنوب بسبب المجازر المرتكبة في حقها، عاد عشرات الآلاف من أهالي القبيلة إلى ابيي مؤخرا، في سياق الاستعدادات للانتخابات في عام 2009م واستفتاء تقرير المصير عام 2011. هذه الأصوات لها أهميتها القصوى فيما يتعلق بمصير ومستقبل الجنوب والمناطق الثلاث المتنازع عليها، القريبة من الشمال، الموالية للجيش الشعبي لتحرير السودان، بما فيها ابيي التي تعتبر جزء أساسي منه.

ابيي هي أيضا، لمن يجهل تضاريس المنطقة، أرض وفيرة المياه، يزخر باطنها بالنفط، حيث يتدفق من كل مكان. ادوارد لينو، المسئول المحلي للجيش الشعبي لتحرير السودان في ابيي، والذي قام بأعمال استباقية وخرق اتفاقيات السلام في المنطقة، كشف أن عدد آبار النفط يقدر بـ 362 بئرا، ويرى أن السلطة في الخرطوم، وبموجب اتفاقات تقاسم الموارد المدرجة في اتفاق السلام، مسؤولة ومطالبة بدفع مليار ونصف مليار دولار إلى المتمردين السابقين.

ـ الحرب الأهلية في سؤالين؟

1ـ ما هي أسباب الصراع؟

مثل كل الحروب الأهلية في إفريقيا، فإن السودان لا يختلف عن باقي الدول الإفريقية التي عانت منها، وذلك لأسباب متعددة ومتداخلة ومترابطة بشدة: الصراعات القبلية والصراع من اجل تقاسم الموارد، الخصومات الاثنية، تركة الاستعمار الثقيلة، والمصالح الاقتصادية والاجتماعية المتناقضة، وتصفية الحسابات بين البلدان المتجاورة... وفي هذه الحالة، فإن عددا من القضايا الدولية زادت في تعقيد الوضع.

في هذا البلد دائما، كانت هناك تجاذبات لا تحصى من العبارات المبتذلة. والأكثر شيوعا؟ الحرب الأهلية نتيجة الصراعات بين المسلمين والمسيحيين. ولكن حتى قادة التمرد، وأبرزهم جون قرنق، المسيحي، زعيم جيش تحرير شعوب السودان، لم يستخدم أبدا لحسابه هذه النظرية (صراع الأديان)، علما بأن هناك الكثير من المسلمين في صفوف المتمردين والمسيحيين في صفوف الحكومة المركزية في الخرطوم.

ومن الكليشيهات الأخرى: الجنوب مسيحي بالإجماع. ولكن جميع الخبراء اتفقوا على أنهم احيائيون (ديانة إفريقيا التقليدية). ووفقا للحكومة، المسيحيون يمثلون 17% من السكان في الجنوب، مقابل 65% للاحيائيين و18% للمسلمين. أما أرقام مجلس كنائس السودان فهي تختلف اختلافا كبيرا، ولكن ليس تغييرا في الاتجاه المعاكس: 3،43% بالنسبة للمسيحيين، 47،8% للإحيائيين، و8% للمسلمين. أما في جميع أنحاء البلاد، فقد صدرت دراسة عن المخابرات المركزية الأمريكية(CIA) قدرت النسبة المئوية للمسيحيين بـ 5%، و25% للإحيائيين و70% للمسلمين.

إن مصدر الصراع يعود تاريخه إلى الفترة الاستعمارية. ووفقا للباحثة الفرنسية في مركز (CNRS)، كاترين ميلر، فإن سياسة فصل شمال السودان عن الجنوب التي قادتها بريطانيا، الهدف منه كان بلورة مواقف متضاربة ومتصارعة حول دور الإسلام والعربية في مستقبل السودان كأمة.

للوهلة الأولى، التقى الجنوبيون والشماليون للمطالبة باستقلال السودان. ومنذ عام 1954، أي قبل سنتين من الحصول عليه، بدأت عملية "سودنة" إدارات الدولة الرسمية، غير أن الجنوبيين لم يحصلوا إلا على الحد الأدنى منها: 7 إدارات محلية من مجموع 500 إدارة محلية.

وفي عام 1969، استولي جعفر النميري على السلطة وأنشأ حكومة عسكرية. وبعد ثلاث سنوات، في أديس ابابا، تم التوصل إلى اتفاق سلام مع المتمردين الجنوبيين، ولكن أحزاب المعارضة السودانية الشرعية لم يتم إشراكها، وقمعت بعد ذلك بقسوة من قبل الدكتاتورية. يصبح الاستقلال الذاتي في الجنوب ساري المفعول، ولكن في عام 1983، يتفق النميري مع المعارضة ويقوم بإلغاء اتفاق أديس أبابا. ويقسم الجنوب إلى ثلاث مقاطعات، ربما بسبب اكتشاف وجود حقول النفط في منطقة ولاية "الوحدة" (في وسط البلد) من قبل الشركة الأمريكية شيفرون.

عدة عوامل إقليمية ودولية ساهمت في زعزعة الأوضاع الداخلية في السودان، كما أن تدخلات الجيران (اثيوبيا، أريتيريا، تشاد وليبيا) مع الفرقاء لم تكن لتسهل الحلول، وتزيل فتيل الانفجار في أكثر من مكان.

2ـ أين هي مناطق القتال؟

الحرب في جنوب السودان، أم الحروب في السودان؟ هناك أربع جبهات متميزة:

الجبهة الأولى: في جبال النوبة، جنوب كردفان. والمنطقة تقع في وسط البلد، وبالتالي هي ليست جزءا من جنوب السودان بالمعنى الضيق للكلمة. أهمية الجبهة أنها طريق عبور شطر من خط الأنابيب الذي ينقل النفط الخام إلى بور سودان، والشمال. وتحرك عناصر الجيش الشعبي لتحرير السودان من الجنوب، وبدعم من بعض القبائل النوبية، هي خطوة في اتجاه المنافسة الدموية بين المتصارعين، وقد حددوا هدفا يتمثل في قطع خط الأنابيب لمنع إمكانية استغلال النفط في المقاطعات الأخرى في الوسط.

والصراع بين الحكومة والمتمردين، وعلى اختلاف قوتهما أو تأثيرهما على مجريات الأوضاع في النوبة، حيث التنافس الشديد بين قبائل noubas (ومعظمهم (احيائيون) وقبائل baggaras يدينون بالإسلام، قديم جدا. السلطة تؤكد سيطرتها على 95% من الإقليم، وأن 30000 شخص فقط من أصل مجموع السكان البالغ عددهم 1،5 مليون نسمة، يوالون ويدعمون المتمردين. أما جهة التمرد، فتشير إلى سيطرتها على نحو 30% إلى 40% من الجبال، وتتمتع بدعم واسع النطاق بين السكان (ما بين 300000 إلى 400000 شخص).

والجبهة الثانية المتورطة في الصراع، فهي ولاية "الوحدة" التي ليست أقل أهمية من غيرها، حيث توجد أهم الآبار الرئيسية فيها. أما الهجمات ضد المنشآت النفطية قامت بها قبائل (nuers)، أين تشكلت فيها اثنين من الميليشيات الهامة، واحدة بقيادة Peter Gadet، والأخرى بقيادة Riek Machar، نائب الرئيس السابق للجمهورية السودانية الذي انشق عنها في فبراير 2001. ووفقا للحكومة، فإن المنطقة النفطية هي الآن تحت "التهدئة" وسيطرتها.

الجبهة الثالثة: في الجنوب الغربي من السودان، ويشمل دول بحر الغزال وشمال بحر الغزال وغرب وارابالجيش الشعبي لتحرير السودان، الذي يجند معظم مقاتليه من قبيلة (dinkas)، نشط للغاية. ولكن على الرغم من الهجمات المتكررة، فهو ما زال لم يتمكن من الاستيلاء على مدينة واو.

الجبهة الرابعة: هي ولاية النيل الأزرق في الجنوب الشرقي. وقد شن الجيش الشعبي لتحرير السودان العديد من الهجمات الفاشلة ضد مدينة (Damazine) وكانت هناك جبهة خامسة في ولاية كسلا (Kassala)، شمال شرق، لكن آخر هجوم للمتمردين هناك كان في نوفمبر 2000م. القوة الرئيسية التي كانت تنشط هناك، جاءت انبثاقا من التجمع الوطني الديمقراطي، الذي ضم آنذاك أحزاب المعارضة. ولكن زعماء التجمع في الآونة الأخيرة عادوا من المنفى وتخلوا عن الكفاح المسلح. ووفقا لمصادر الجنوبيين، فإن الجهات المتمردة تسيطر الآن على ثلاث محافظات (اثنين في بحر الغزال والأخرى في المنطقة الاستوائية).

في النهاية، يبقى التساؤل المنطقي والجوهري، الذي يفرض نفسه على الجميع، هل الصراع الجديد-القديم في ابيي سيكون مقدمة حتمية لانفجار باقي القضايا والمسائل التي لم تجد لها طريقا إلى الحل في السودان؟

ليس هناك ـ في الأفق القريب ـ ما يبشر بحل وشيك طالما كل الأطراف، حسب درجة تدخلها وتأثيرها ـ حكومة الخرطوم، الحركة الشعبية، دول الجوار، الدول الإقليمية والتدخلات السياسية ـ ترى أنها محقة في ما تقوم به وتفعله حتى لو كان من خلال حمل السلاح وتأمينه لدى جميع المتصارعين، وتهجير المدنيين وحرق القرى وانتهاك حقوق الإنسان، ودك المدن بالمدافع والدبابات والطائرات وغيرها!! هو الحل الوحيد والممكن في هذه الظروف!
 
---------------
المصدر : مجلة العصر : المختصر - يوسف شلي - التاريخ:21/05/1429

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


(ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام)