ما انتهى العام 2007 إلا برسالة دامية وخطيرة للمسلمين وللعالم أجمع.
فاغتيال بي نظير بوتو حدث أكبر من جريمة اغتيال سياسي. وهو باعتقادي أكبر من عثرة أخرى تضاف إلى مسلسل طويل تؤكد عثراته العديدة منذ 1947 عقم مفهوم «الكيان القومي الديني» الذي أسّسه البريطانيون في شبه القارة الهندية. وكان هذا الكيان المصطنع قد شهد على مرّ السنين كل أشكال الإخفاقات السياسية والأمنية والاجتماعية. وبدلاً من ان يكون نموذجاً مثالياً للإسلام عندما يحكم... تحوّل إلى نموذج لانعدام الديمقراطية وتوطّن الاضطراب واستفحال الفساد وتنامي القمع البوليسي على يد مؤسسة عسكرية تحكمت بالبلاد طوال معظم عمرها الاستقلالي.
اغتيال بوتو... طعنة قاتلة إلى الواقعية الإسلامية المعتدلة التي تريد أن تفهم العالم، وتسعى لأن تحاوره وتستنبط طرقاً عقلانية للحوار البناء تمهيداً للتعايش معه. وعليه فإن من اغتالها، بصرف النظر عن المسميّات التمويهيّة، يريد للسلطة إسلاماً في أزمة دائمة مع البشرية...
إسلاماً في أزمة دائمة مع المستقبل... وإسلاماً في أزمة دائمة مع الإسلام نفسه.
بمزيد الأسف، ثمة جماعات تعمل، عن دراية وقصد أو من دون دراية ودون قصد، لإعلاء كلمة هذا «الإسلام» التصادمي... حتى العدم، منها جماعات تعتبر نفسها اليوم في موقع تأدية الواجب وتصحيح حالة غبن تاريخي يعود حتى إلى ما قبل معركة صفّين!
هذه الجماعات، تماماً كأولئك الذين ألغوا بوتو والبديل الذي تمثله، ألغت قروناً من ممارسات الشيعة الإمامية المنفتحة والتقدمية، وقرّرت العودة إلى لغة أخرى تقوم على المجابهة والانتقام وهدر الدم.
لقد نسفت هذه الجماعات في العراق إرثاً طويلاً من ريادة التقدمية الشيعية في شتى المجالات من التربية والأدب، إلى العلوم والعمارة والهندسة، إلى النضال السياسي البطولي في وجه الإقطاع والاستعمار والديكتاتورية، ودفعت العراق والعراقيين قروناً إلى الوراء. وهي الآن تفعل الشيء نفسه في لبنان، متستّرة خلف حفنة من القيادات المسيحية الانتهازية، وذلك كي لا تتهَم بافتعال «فتنة» سنية ـ شيعية في بلد هش، مثل باكستان، دخل خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة نفقاً مفضياً إلى المجهول.
كل لبناني عاقل يعرف اليوم مَن يمسك بقرار ما يُسمى بـ«المعارضة» في لبنان، ومَن يشكل الثقل العسكري والبشري والمالي والسياسي الوازن فيها. وكل لبناني عاقل يفهم كيف ابتُكرت (بضم التاء) والجهة التي ابتكرت الذريعة الطائفية المناسبة لتغطية انشقاق أدعياء «الاستقلال والسيادة» المسيحيين... أي «منع التوطين» (منع توطين اللاجئين الفلسطينيين وغالبيتهم من المسلمين السنّة). وكل لبناني عاقل يدرك على أي أساس قام «اتفاق الطائف» وكذلك يعلم الأسباب... ويعرف الجهات التي منعت تطبيقه والتي تتآمر اليوم لنسفه عن بكرة أبيه.
بالأمس طالب صراحةً أحد أبواق المعارضة، المعروفين ـ حتى على مستوى التحقيق الدولي ـ بصلاتهم الوثيقة بالأجهزة الأمنية السورية، بأن تعاد إلى رئيس الجمهورية حصة تقريرية داخل مجلس الوزراء عن طريق تخصيصه بعدد من الوزراء يشكلون كتلة تمنع الأغلبية من الحصول على غالبية الثلثين. وهذا المطلب ليس فقط مخالفا تماماً للدستور المبني على «اتفاق الطائف»، بل يخالف كل التّوجهات التي نذر لها ذلك «البوق» المناضل الجزء الأول من حياته السياسية في «رابطة الشغيلة» الماركسية التي كانت تشكل شرذمة صغيرة تحت خيمة «الحركة الوطنية اللبنانية».
كيف حدث هذا الانقلاب؟
المسألة بسيطة. فباستثناء نفر من المعارضة المسيحية، بات معظم اللبنانيين على بينة من أن «الشيعية السياسية» ممثلة بـ«حزب الله» استحوذت منذ بعض الوقت على موقع رئاسة الجمهورية، وغدت مزايا الرئيس السابق إميل لحود هي المطلوبة في أي رئيس ماروني يجب أن يكون «صورة» بروتوكولية أو «ورقة توت» لا غير... يترأس ولا يحكم ـ كآخر خلفاء بني العباس ـ في ظل دولة «الولي الفقيه» وصواريخها وأموالها الطاهرة.
وبناء عليه، فعندما يطالب أبواق المعارضة اليوم بـ«إعادة» صلاحيات الرئيس الماروني، على حساب الحكومة التي يرأسها مسلم سنّي، فإنهم يتعاملون مع هذه الصلاحيات كما تعامل هارون الرشيد مع السحابة التي لها أن تمطر حيث تشاء... لأنها في أي حال ستمطر فوق أرضه.
واللبيب هنا لا بد أن يفهم أن «الشيعية السياسية» لم تُصَب فجأة بنوبة شديدة من الإحسان الذي قرّرت إغداقه على حلفائها من المسيحيين «المحرومين»، بل هي تستغل أغبياء المسيحيين ومتعصبيهم في معركة لا تريد أن تخوضها صراحةً ضد المسلمين السنّة... أمام أعين وآذان 300 مليون عربي ثلاثة أرباعهم من أهل السنة والجماعة.
بكلام آخر المعارضة المسيحية ـ والمارونية تحديداً ـ تُستغّلّ حالياً في معركة «إسلامية ـ إسلامية» خطيرة جداً تشكل الجزء الثاني من انقلاب «الشيعية السياسية» على مفهومي الدولة والتعايش في لبنان. وكان القسم الأوفر من الجزء الأول قد تحقّق ببناء «حزب الله» الذي يدّعي التعفف عن استخدام سلاحه في الداخل عدداً من «الطوابير الخامسة» المسلحة العميلة له في مختلف المناطق اللبنانية.
كل ما سبق حقائق بات يعيها معظم اللبنانيين، ولكن مع الأسف، يظهر أن ثمة جهات عربية ودولية ما زالت ترى بأن اعتماد استراتيجية النعامة بدفن رأسها في الرمال والتفاؤل خيراً يمكن أن يحل المشكلة. وعن طريق الاسترضاء قد يرعوي «حزب الله» ويتقي الله في شعبه، وتتعظ دمشق وتقلع عن سياسة الابتزاز التدميرية التي أجادتها منذ 1975، وتكف إيران عن اعتبار لبنان جزءاً من جبهتها «النووية» المفتوحة ضد أميركا.
ربما فقد يكون بعض إخواننا من العرب وأصدقاؤنا في فرنسا اكتسبوا كياسة دبلوماسية خارقة لم نكن نعهدها منهم من قبل.
ولكن السماح بسقوط الاعتدال العقلاني السني في لبنان على أيدي «حزب الله» و«محور دمشق ـ طهران» سيكون باهظ التكلفة... وسيولّد بديلاً متطرفاً رهيباً.
الاربعاء, 24 ذو الحجة, 1428
وبالتالي، سيكون أول من يدفع الثمن الباهظ، بعد اللبنانيين طبعاً، أولئك الذين لم يستوعبوا حتى الآن درس هتلر وتشمبرلين. إذ من الحماقة الإصرار على استرضاء من لا يجيد إلا لغة الابتزاز.
المصدر : المختصر . الشرق الأوسط . إياد أبو شقرا
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية










من إيطاليا
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بارك الله فيك اخى الكريم
مدونتك رائعة وموضوعاتها جيده
ارجو منك ان تضع موقع الشيخ ابو اسحاق الحوينى ضمن الموافع المفضلة وايضاً موقع منتدى قناة الرحمة
ولك منى خالص التحية
ودمت بألف خير
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته