مدونة عبدالله الشهري
مدونة عامة ثقافية

:: القبة الخضراء

القبة الخضراء في المدينة ، تاريخها ، وحكم بنائها ، وبقائها
سؤال:
إذا كانت القبة الخضراء على قبر النبي صلى الله عليه وسلم من البدع

والمؤدية إلى الشرك ، فلماذا لا تزيلها الحكومة السعودية ؟
الجواب:
الحمد لله
أولاً:
تاريخ القبة الخضراء
لم تكن القبة التي على قبر النبي صلى الله عليه وسلم موجودة إلى القرن

السابع ، وقد أُحدث بناؤها في عهد السلطان قلاوون ، وكان لونها أولاً بلون

الخشب ، ثم صارت باللون الأبيض ، ثم اللون الأزرق ، ثم اللون الأخضر

، واستمرت عليه إلى الآن .
قال الأستاذ علي حافظ حفظه الله :
"لم تكن على الحجرة المطهرة قبة ، وكان في سطح المسجد على ما

يوازي الحجرة حظير من الآجر بمقدار نصف قامة تمييزاً للحجرة عن بقية

سطح المسجد .
والسلطان قلاوون الصالحي هو أول من أحدث على الحجرة الشريفة قبة ،

فقد عملها سنَة 678 هـ ، مربَّعة من أسفلها ، مثمنة من أعلاها بأخشاب ،

أقيمت على رؤوس السواري المحيطة بالحجرة ، وسمَّر عليها ألواحاً من

الخشب ، وصفَّحها بألواح الرصاص ، وجعل محل حظير الآجر حظيراً

من خشب .
وجددت القبة زمن الناصر حسن بن محمد قلاوون ، ثم اختلت ألواح

الرصاص عن موضعها ، وجددت ، وأحكمت أيام الأشرف شعبان بن

حسين بن محمد سنة 765 هـ ، وحصل بها خلل ، وأصلحت زمن

السلطان قايتباي سنة 881هـ .
وقد احترقت المقصورة والقبة في حريق المسجد النبوي الثاني سنة 886

هـ ، وفي عهد السلطان قايتباي سنة 887هـ جددت القبة ، وأسست لها

دعائم عظيمة في أرض المسجد النبوي ، وبنيت بالآجر بارتفاع متناه

،....
بعد ما تم بناء القبة بالصورة الموضحة : تشققت من أعاليها ، ولما لم

يُجدِ الترميم فيها : أمر السلطان قايتباي بهدم أعاليها ، وأعيدت محكمة

البناء بالجبس الأبيض ، فتمت محكمةً ، متقنةً سنة 892 هـ .
وفي سنة 1253هـ صدر أمر السلطان عبد الحميد العثماني بصبغ القبة

المذكورة باللون الأخضر ، وهو أول من صبغ القبة بالأخضر ، ثم لم يزل

يجدد صبغها بالأخضر كلما احتاجت لذلك إلى يومنا هذا .
وسميت بالقبة الخضراء بعد صبغها بالأخضر ، وكانت تعرف بالبيضاء ،

والفيحاء ، والزرقاء" انتهى .
" فصول من تاريخ المدينة المنورة " علي حافظ ( ص 127، 128

) .
ثانياً:
حكمها
وقد أنكر أهل العلم المحققين - قديماً وحديثاً – بناء تلك القبة ، وتلوينها

، وكل ذلك لما يعلمونه من سد الشريعة لأبواب كثيرة خشية الوقوع في

الشرك .
ومن هؤلاء العلماء :
1. قال الصنعاني – رحمهُ اللهُ – في " تطهير الاعتقادِ " :
"فإن قلت : هذا قبرُ الرسولِ صلى اللهُ عليه وسلم قد عُمرت عليه قبةٌ

عظيمةٌ انفقت فيها الأموالُ .
قلتُ : هذا جهلٌ عظيمٌ بحقيقةِ الحالِ ، فإن هذه القبةَ ليس بناؤها منهُ

صلى اللهُ عليه وسلم ، ولا من أصحابهِ ، ولا من تابعيهم ، ولا من تابعِ

التابعين ، ولا علماء الأمةِ وأئمة ملتهِ ، بل هذه القبةُ المعمولةُ على قبرهِ

صلى اللهُ عليه وسلم من أبنيةِ بعضِ ملوكِ مصر المتأخرين ، وهو قلاوون

الصالحي المعروف بالملكِ المنصورِ في سنةِ ثمانٍ وسبعين وست مئة ،

ذكرهُ في " تحقيقِ النصرةِ بتلخيصِ معالمِ دارِ الهجرةِ " ، فهذه أمورٌ

دولية لا دليليةٌ " انتهى .
2. وسئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء :
هناك من يحتجون ببناء القبة الخضراء على القبر الشريف بالحرم النبوي

على جواز بناء القباب على باقي القبور ، كالصالحين ، وغيرهم ، فهل

يصح هذا الاحتجاج أم ماذا يكون الرد عليهم ؟
فأجابوا :
" لا يصح الاحتجاج ببناء الناس قبة على قبر النبي صلى الله عليه وسلم

على جواز بناء قباب على قبور الأموات ، صالحين ، أو غيرهم ؛ لأن بناء

أولئك الناس القبة على قبره صلى الله عليه وسلم حرام يأثم فاعله ؛

لمخالفته ما ثبت عن أبي الهياج الأسدي قال : قال لي علي بن أبي طالب

رضي الله عنه : ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله

عليه وسلم ؟ ألا تدع تمثالاً إلا طمستَه ، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته .
وعن جابر رضي الله عنه قال : ( نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن

يجصَّص القبر ، وأن يقعد عليه ، وأن يبنى عليه ) رواهما مسلم في

صحيحه ، فلا يصح أن يحتج أحد بفعل بعض الناس المحرم على جواز

مثله من المحرمات ؛ لأنه لا يجوز معارضة قول النبي صلى الله عليه

وسلم بقول أحد من الناس أو فعله ؛ لأنه المبلغ عن الله سبحانه ، والواجب

طاعته ، والحذر من مخالفة أمره ؛ لقول الله عز وجل : ( وَمَا آتَاكُمُ

الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) الحشر/ 7 .
وغيرها من الآيات الآمرة بطاعة الله وطاعة رسوله ؛ ولأن بناء القبور ،

واتخاذ القباب عليها من وسائل الشرك بأهلها ، فيجب سد الذرائع الموصلة

للشرك " انتهى .
الشيخ عبد العزيز بن باز ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي ، الشيخ عبد الله بن

قعود .
" فتاوى اللجنة الدائمة " ( 9 / 83 ، 84 ).
3. وقال علماء اللجنة الدائمة – أيضاً - :
" ليس في إقامة القبة على قبر النبي صلى الله عليه وسلم حجة لمن

يتعلل بذلك في بناء قباب على قبور الأولياء والصالحين ؛ لأن إقامة القبة

على قبره : لم تكن بوصية منه ، ولا من عمل أصحابه رضي الله عنهم

، ولا من التابعين ، ولا أحد من أئمة الهدى في القرون الأولى التي شهد لها

النبي صلى الله عليه وسلم بالخير ، إنما كان ذلك من أهل البدع ، وقد ثبت

أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس

منه فهو رد ) ، وثبت عن علي رضي الله عنه أنه قال لأبي الهياج :

( ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ألاَّ

تدع تمثالاً إلا طمسته ، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته ) رواه مسلم ؛ فإذا لم

يثبت عنه صلى الله عليه وسلم بناء قبة على قبره ، ولم يثبت ذلك عن أئمة

الخير ، بل ثبت عنه ما يبطل ذلك : لم يكن لمسلم أن يتعلق بما أحدثه

المبتدعة من بناء قبة على قبر النبي صلى الله عليه وسلم " انتهى .
الشيخ عبد العزيز بن باز ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي ، الشيخ عبد الله بن

غديان ، الشيخ عبد الله بن قعود .
" فتاوى اللجنة الدائمة " ( 2 / 264 ، 265 ) .
4. وقال الشيخ شمس الدين الأفغاني رحمه الله :
" قال العلامة الخجندي ( 1379 هـ ) مبيِّناً تاريخ بناء هذه القبة

الخضراء المبنية على قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، محققاً أنها بدعة

حدثت بأيدي بعض السلاطين ، الجاهلين ، الخاطئين ، الغالطين ، وأنها

مخالفة للأحاديث الصحيحة المحكمة الصريحة ؛ جهلاً بالسنَّة ، وغلوّاً

وتقليداً للنصارى ، الضلال الحيارى :
اعلم أنه إلى عام ( 678 هـ ) لم تكن قبة على الحجرة النبوية التي

فيها قبر النبي صلى الله عليه وسلم ؛ وإنما عملها وبناها الملك الظاهر

المنصور قلاوون الصالحي في تلك السنة - ( 678هـ) ، فعملت

تلك القبة .
قلت : إنما فعل ذلك لأنه رأى في مصر والشام كنائس النصارى

المزخرفة فقلدهم جهلاً منه بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وسنته ؛ كما

قلدهم الوليد في زخرفة المسجد ، فتنبه ، كذا في " وفاء الوفاء "

...
اعلم أنه لا شك أن عمل قلاوون هذا -: مخالف قطعاً للأحاديث

الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ ولكن الجهل بلاء

عظيم ، والغلو في المحبة والتعظيم وباء جسيم ، والتقليد للأجانب داء مهلك

؛ فنعوذ بالله من الجهل ، ومن الغلو ، ومن التقليد للأجانب" انتهى.
" جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية " ( 3 /

1660 - 1662 ) .
ثالثاً:
سبب عدم هدمها
فقد بَيَّن العلماء الحكم الشرعي في بناء القبة ، وأثرها البدعي واضح على

أهل البدع ، فهم متعلقون بها بناءً ولوناً ، ومدحهم وتعظيمهم لها نظماً ونثراً

كثير جدّاً ، ولم يبق إلا تنفيذ ذلك من ولاة الأمر ، وليس هذا من عمل

العلماء .
وقد يكون المانع من هدمها درءً للفتنة ، وخشيةً من أن تحدث فوضى بين

عامة الناس وجهلتهم ، وللأسف فإن هؤلاء العامة لم يصلوا إلى ما وصلوا

إليه من تعظيم تلك القبَّة إلا بقيادة علماء الضلالة وأئمة البدعة ، وهؤلاء هم

الذي يهيجون العامة على بلاد الحرمين الشريفين ، وعلى عقيدتها ، وعلى

منهجها ، وقد ساءتهم جدّاً أفعالٌ كثيرة موافقة للشرع عندنا ، مخالفة للبدعة

عندهم ! .
وبكل حال : فالحكم الشرعي واضح بيِّن ، وعدم هدمها لا يعني أنها

جائزة البناء لا هي ولا غيرها على أي قبر كان .
قال الشيخ صالح العصيمي حفظه الله :
" إن استمرارَ هذه القبةِ على مدى ثمانيةِ قرونٍ لا يعني أنها أصبحت

جائزة ، ولا يعني أن السكوتَ عنها إقرارٌ لها ، أو دليلٌ على جوازها ، بل

يجبُ على ولاةِ المسلمين إزالتها ، وإعادة الوضع إلى ما كان عليه في عهدِ

النبوةِ ، وإزالة القبةِ والزخارفِ والنقوشِ التي في المساجدِ ، وعلى رأسها

المسجدُ النبوي ، ما لم يترتب على ذلك فتنةٌ أكبر منه ، فإن ترتبَ عليه فتنةٌ

أكبر ، فلولي الأمرِ التريث مع العزمِ على استغلالِ الفرصة متى سنحت "

" بدعِ القبورِ ، أنواعها ، وأحكامها " ( ص 253 ) .

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


الأسم الأول
اٍسم العائله
عنوان البريد الاٍلكتروني
التعليق